المراجعات

مراجعة لعبة ZERO PARADES: For Dead Spies

المطور والناشر ZA/UM Studio
تاريخ الإصدار 21 مايو
التصنيف تقمص ادوار
منصة المراجعة PC
المنصات PC

 

سردية لعبة Disco Elysium لم تكن مجرد عابر في تاريخ الألعاب، بل كانت واحدة من أكثر التجارب الأدبية والفلسفية تأثيرًا في الصناعة الحديثة فهي لعبة لم تعتمد على الأكشن أو المشاهد السينمائية الضخمة لتترك أثرها، بل اعتمدت على الكتابة، الحوار، بناء العالم، والشخصيات المكسورة نفسيًا وسياسيًا.. حتى اليوم، لا تزال تعتبر لدى الكثيرين معيارًا حقيقيًا لما يمكن أن تصل إليه الكتابة التفاعلية داخل الألعاب، ليس فقط كلعبة RPG، بل كعمل أدبي كامل متنكر داخل لعبة فيديو

تأتي ZERO PARADES: For Dead Spies بثقل هائل خلفها، وهي تدرك جيدًا حجم الإرث الذي تحمله.. لكنها بدلًا من محاولة تقديم “Disco Elysium 2” تتجه نحو شيء أكثر برودة، أكثر سوداوية، وأكثر قسوة.. لعبة جاسوسية وجودية تتحدث عن الهوية، السيطرة، تشكيل الإدراك، والحقيقة نفسها.. فعالمها غارق في السياسة، الأيديولوجيا، الرأسمالية المتوحشة، البربوغندا، الشيوعية المتعفنة، الإمبراطوريات الثقافية وأجهزة الاستخبارات التي لم تعد تتجسس على الدول فقط… بل على الوعي البشري ذاته

تدور أحدات اللعبة حول عميلة سابقة لمنظمة استخباراتية أجنبية تستيقظ داخل مدينة محايدة تدعى Portofiro، مدينة متحللة سياسيًا وثقافيًا، أشبه بمدينة عالمية منسية مليىة ببقايا الحروب الباردة، الجواسيس المنفيين، والثوار الثقافيين الفاشلين.. قبل خمس سنوات، فشلت مهمتها الأخيرة هنا بشكل كارثي، تشتت طاقمها، اختفوا جميعهم، وتم نفيها بعيدًا عن العالم، الآن تعود مجددًا… لكن المفارقة أنها لا تملك أي فكرة عن ماهية المهمة أصلًا، ولا لماذا تم استدعاؤها من جديد.. مهمتك الأولى ليست إنقاذ العالم، بل فهم ماهي المهمة بالاصل هذه المرة؟ ماذا تريد منظمتك تنفيذه هذه المره؟

ومنذ اللحظات الأولى، يتضح أن اللعبة لا تحاول تقديم “تحقيق منطقي” بقدر ما تحاول دفع اللاعب تدريجيًا نحو الضياع داخل عالمها.. تبدأ التجربة داخل غرفة صغيرة خانقة، حيث تصل الشخصية لمقابلة جهة اتصال لتكتشف أن الشخص الذي كان من المفترض أن تلتقيه لم يعد حيًا بالكامل… لكنه ليس ميتًا أيضًا.. ومن هنا تبدأ اللعبة بإغراق اللاعب وسط تفاصيل غريبة، محادثات مبهمة، ورسائل غير واضحة وكأن العالم بأكمله يرفض إعطاء أي إجابة مباشرة

وعلى عكس كثير من ألعاب الـRPG، فاللعبة لا تخاف من الفشل، بل تحتفي به أحيانًا.. رميات النرد الفاشلة لا تبدو دائمًا كعقوبة ميكانيكية، بل كجزء من شخصية العميلة نفسها، وكأن اللعبة تتعمد إحراجها أو دفعها نحو مواقف عبثية سوداء.. قد تفشل في قراءة موقف بسيط، تكذب كذبة كارثية، أو تدخل في دوامة هلوسة فقط لأنك قررت الاستماع لتسجيل غامض أكثر مما ينبغي.. والأسوأ أن هذه اللحظات غالبًا تكون من أكثر لحظات اللعبة متعة وغرابة

على الجانب الميكانيكي، لا تتعامل اللعبة مع التعب، القلق، والهلوسة (الثلاث الانظمة الاساسية) كأنظمة ممتعة أو عناصر “RPG” إيجابية (رغم ان هناك ايجابيات في رفعها احيانا بسبب متطلبات لبيرك معين)، بل كأعباء نفسية وجسدية تنهش الشخصية تدريجيًا.. كل محاولة لدفع المهارات إلى أقصى حد، كل ضغط نفسي، وكل قرار متهور قد يرفع هذه المؤشرات.. وفي حال وصلت لمستويات خطيرة، قد تضطر للتضحية ببعض المهارات.. الاستعادة نفسها تأتي أحيانًا عبر النوم، وأحيانًا عبر المواد الاستهلاكية، لكنها غالبًا حلول مؤقتة .. وبصراحة في البداية توقعت انها أنظمة معقدة وستجعل اللعبة أصعب ولكن مع اللعب يتضح ان يمكنك تفاديها الى حد كبير مع النوم، بعض الحوارات، العناصر الاستهلاكية وبشكل عام تعتبر الفارق الرئيسي من ناحية الانظمة عن اللعبة السابقة

وكما هو متوقع من هذا النوع من الألعاب، فهي مليئة بالحوارات الطويلة، المهام المتفرعة، الأسرار، الشخصيات الفلسفية، والمصطلحات التي قد تشعر أحيانًا أنها مكتوبة داخل الكتب الفلسفية القديمة تحت تأثير المخدرات.. بعض الاحيان لن يفهم اللاعب المعنى الحقيقي لما يقال… وهذا هو المقصود تمامًا.. اللعبة تتعمد إغراقه داخل عالمها قبل أن يبدأ تدريجيًا بفهم الخلفيات السياسية، الثقافية، والاستخباراتية التي تحكم هذا العالم.. بعض الحوارات تبدو بلا معنى في البداية، ثم تعود بعد ساعات لتكتشف أنها كانت تلمح لحقيقة أو منظمة أو حدث غير العالم بالكامل

بل إن اللعبة أحيانًا تتعمد حرف اللاعب بالكامل عن هدفه الرئيسي.. قد تحاول فقط سؤال شخص عن الاتجاهات، لتجد نفسك بعد نصف ساعة تناقش الفن كأداة دعائية، أو تستمع لعامل مجهول يروي نظرياته العبثية عن التاريخ والسياسة والهوية.. حتى أبسط الحوارات قادرة على التحول فجأة إلى رواية كاملة، وهذا بالضبط ما يمنح Portofiro ذلك الإحساس الدائم بأنها مدينة مليئة بأشخاص يعيشون داخل عوالمهم الخاصة، لا مجرد NPCs ينتظرون دورهم في القصة

ولا تزال اللعبة محافظة على أحد أعظم عناصر Disco Elysium وهي الفضول.. تلك القدرة العجيبة على دفع اللاعب لاستكشاف زاوية مهملة أو مبنى مريب أو شخصية تبدو عديمة الأهمية، فقط ليكتشف بعد قضاء قليل من الوقت في المكان او الحديث مع الشخصية أن كل شيء مرتبط بمؤامرة أقدم وأعمق مما يتخيل.. بعض أفضل المهام والأسرار لا تأتي من المسار الرئيسي إطلاقًا، بل من لحظات الضياع، الفضول، والاستماع لأشخاص قد يبدون في البداية مجرد مجانين ثرثارين.. بل إن بعض هذه الخطوط الجانبية تؤثر على فهم القصة بالكامل، توجهات الشخصية، وحتى طريقة إنهاء اللعبة نفسها

والأجمل أن اللعبة تقدم هذه الخطوط الجانبية بطريقة شديدة الغرابة.. أحيانًا تظهر مهمة جديدة وسط حديث عشوائي تمامًا، بعنوان يبدو وكأنه مقتطع من حلم او ملف استخباراتي كُتب بواسطة شخص فقد عقله منذ سنوات.. حتى إن بعض المهام تحتاج تفسيرًا لفهم عنوانها أصلًا قبل فهم المطلوب منها

فنيًا، اللعبة مذهلة إلى درجة قصوى.. ليس فقط لأنها جميلة بصريًا، بل لأنها تملك هوية فنية واضحة جدًا.. الشوارع المبللة، الألوان الباهتة، الإضاءات الخافتة، الضباب، الواجهات القديمة.. هناك لحظات كثيرة تشعر فيها أن اللعبة تتفوق بصريًا وحتى من ناحية الأجواء على Disco Elysium نفسها فمدينة Portofiro مدينة تبتلع اللاعب بالكامل، وكل حي فيها يملك إحساسًا مختلفًا

أما الشخصية الرئيسية، فالعلاقة معها معقدة.. أحد أعظم نقاط قوة Disco Elysium كان “هاري”، تلك الشخصية البائسة، المضحكة، المكسورة، والإنسانية بشكل مؤلم.. طوال التجربة، من الصعب تجاهل المقارنة أو إسكات الأصوات داخل راسي.. ولكن علي القول شخصية العميلة هنا تملك كتابة أصلية فعلًا، ولها هويتها الخاصة المختلفة تمامًا عن هاري، لكنها أكثر برودًا وانغلاقًا، ولم أتعلق فيها الى حد كبير وربما ألوم هاري على هذا الشي.. الغريب أن الشخصيات المحيطة بها تبدو أحيانًا أكثر حضورًا وإثارة للاهتمام.. أولئك الغرباء، الفلاسفة، المجانين، والمتآمرين الذين يملؤون المدينة.. أما الراوية الداخلية والأصوات داخل عقل الشخصية، فهي مرة أخرى من أفضل ما قدمته اللعبة، أداء مذهل ينجح في تحويل الأفكار الداخلية إلى شيء حي ومزعج في نفس الوقت…

وبالحديث عن الشخصيات، فمستوى الكتابة يتفاوت بينها، لكن معظمها يؤدي دوره بأفضل شكل ممكن داخل هذا العالم الغريب.. هناك السياسي، الفنان المنهار، الموسيقي المهووس بالماضي، المؤمن بالمؤامرات، العدو الثقافي للحداثة، والجاسوس الذي لم يعد يعرف حتى إن كان ما يزال إنسان أم مجرد هوية أعيدت كتابتها مرارًا.. كل شخصية تقريبًا تملك أجندة خاصة، طريقة كلام مختلفة، ورؤية سياسية أو فلسفية معينة.. بعضهم يتحدث وكأنه يقرأ كتاب من جون لو كاري (والي بالمناسبة اللعبة ماخذه من رواياته وبشكل كبير)، وبعضهم يتعامل مع الفن والموسيقى كأنها سلاح سياسي، وآخرون يعيشون داخل نظريات مؤامرة لا يمكن التمييز فيها بين الحقيقة والجنون

والأهم أن اللعبة لا تتعامل مع الحوارات كوسيلة لنقل المعلومات فقط، بل كساحة مواجهة كاملة.. كثير من “المعارك” هنا لا تعتمد على العنف أو الأسلحة، بل على التلاعب، استخراج المعلومات، تشتيت الطرف الآخر، أو دفعه للحديث أكثر مما ينبغي دون أن يشعر.. هناك لحظات كاملة تشعر فيها أنك لا تحقق في قضية، بل تحاول النجاة داخل شبكة من الأكاذيب والهويات المعاد تشكيلها باستمرار

وفي النهاية، هذه ليست مجرد لعبة RPG أو لعبة تجسس عادية… بل لعبة عن الإدراك، الهوية، السياسة، الثقافة، الشيوعية، الرأسمالية، التقنية وعن أشخاص ضاعوا داخل الأكاذيب التي صنعوها لأنفسهم وللعالم.. ولو ان من الصعب التعلق في عالمها الى حد كبير ولعدة اسباب ذكرها قد يسهب أكثر فيما تم الحديث عنه مسبقًا

الايجابيات
  • كتابة أدبية ثقيلة تنجح في خلق عالم سياسي وجاسوسي مثير للتفكير
  • مدينة Portofiro من أبرز وأفضل عناصر اللعبة من ناحية الهوية، الأجواء، والإحساس بالغموض الدائم
  • الفضول والاستكشاف عنصر قوي جدًا، وأغلب أفضل اللحظات تأتي من الخطوط الجانبية والضياع داخل العالم
  • الراوية الداخلية والأصوات داخل عقل الشخصية ممتازة جدًا، وقدمت طابعًا نفسيًا مزعجًا ومميزًا للغاية
السلبيات
  • صعوبة التعلق بالشخصية الرئيسية، مع وجود مساحة أكبر كان يمكن استغلالها لتطويرها بشكل أفضل
  • بعض الخطوط والمهام الجانبية تترك خيوطًا مفتوحة دون إغلاق مرضٍ بالشكل المطلو
التقييم النهائي - 8.5

8.5

التقييم النهائي

قدمت لعبة ZERO PARADES: For Dead Spies رحلة تجسسية فاخرة في الحوارات وبناء العالم وتنجح في تقديم أجواء سياسية ونفسية غامضة تجعل الاستكشاف والفضول من أفضل عناصر التجربة بعالم ومدينة غريبة وشخصيات مثيرة للاهتمام مع أصوات داخلية ممتازة تضيف طابعًا نفسيًا مميزًا، ولو انها متفاوتة في مستوى الكتابة خصوصًا في الشخصية الرئيسية لم تكن دائمًا بنفس قوة بقية عناصر اللعبة، وبعض الخطوط الجانبية انتهت بشكل مفتوح أكثر من اللازم الا أن قصة لعبة ZERO PARADES: For Dead Spies تكاد أن تكون ان لم تكن بمستوى سابقتها

Mood

محب للالعاب والاعمال مبدعة .. العب واستمتع في اي شي يستهويني . شي اخير.. العب "Disco Elysium" معسلامه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من قيمزم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة