
مراجعة Nioh 3
يعود استوديو Team Ninja مجددًا إلى السلسلة التي شكّلت هويته الحقيقية، بعد مرور ست سنوات على Nioh 2، وبعد محطات تجريبية متعددة بين الصين القاسية في وولونغ، والعالم المفتوح الطموح في رايز أوف رونين.. وكأن الاستوديو كان في رحلة بحث عن ذاته، يجرّب، يغامر، يوسّع الأفق، ثم يعود أخيرًا إلى النقطة التي يعرفها أكثر من أي مكان آخر

ذروة الإبداع لأي استوديو لا تكون دائمًا في القفز نحو المجهول، بل في العودة الواعية إلى ما يتقنه، محمّلًا بخبرة التجارب السابقة ونضجها ولعبة Nioh 3 لا تبدو كلعبة تحاول إثبات نفسها، بل كلعبة واثقة، تعرف تمامًا ما تريد أن تكون عليه، ولا تعتذر عن ذلك.
اللعبة تحافظ على إرث Team Ninja الحقيقي: نظام لعب صُقل ليكون غاية بحد ذاته.. منذ الدقيقة الأولى، لا توجد محاولات لإبهارك بسينما زائدة أو وعود بعالم شاسع.. هناك سيف، هناك عدو، وهناك رغبة صافية في القتال.. وكلما تقدمت، تدرك أن المتعة هنا ليست في ما ستراه لاحقًا، بل في ما تفعله الآن، في كل مواجهة، في كل قرار صغير داخل ساحة القتال.

Nioh 3 تصل إلى ذروتها حين تفهم أن القتال ليس وسيلة للتقدم، بل هو جوهر التجربة نفسها.. لعبة لا تطلب منك الصبر عليها، بل تكافئك فورًا إن كنت مستعدًا للدخول في إيقاعها.. وهذا بالضبط ما يجعلها استمرارًا وفيًا لسمعة الاستوديو، وعودة ناضجة إلى عمل يعرفونه حد الإتقان.
القصة بطبيعة الحال لم تكن يومًا عنصرًا محوريًا في سلسلة Nioh، وكثير من اللاعبين يرونها من أضعف جوانبها أو على الأقل من الجوانب غير الجوهرية للتجربة.. هنا، وبدون حرق، تركز القصة على صراعك مع اليوكاي والقوى الغامضة العابرة للزمكان، محاولة أن تمنح العالم بعدًا أسطوريًا يتجاوز حدود الزمان والمكان
تبدأ الحكاية وأنت الشوغن الموعود، المستعد لمرحلة جديدة في عام 1623، قبل أن تتعرض للخيانة وتُلقى خارج زمنك.. ومن هذه اللحظة تبدأ رحلة البحث عن سبب ما حدث، وعن نهايتك المحتومة في هذا العالم.. الفكرة بحد ذاتها ليست سيئة، لكنها عند امتزاجها باللعب تصبح فوضوية وغير محفزة.. كأن السرد حاضر كخلفية فقط، لا كقوة دافعة
اما المنطقة الرئيسية (Hub) تؤدي وظيفتها بوضوح: ربطك باللور، تعديل الشخصية، تطوير المهارات والحدادة، والتفاعل مع بعض الشخصيات… لكنها تبقى مساحة خدمية أكثر من كونها مكانًا نابضًا بالحكاية.

أكبر الفرص الضائعة تظهر في المهام الجانبية.. كثير منها يبدأ بإيحاء بعمق قصصي أو فكرة مثيرة، لكن سرعان ما ينتهي إلى مجرد كونه “سعيدًا بوجوده” داخل العالم، دون أن يُستثمر فعليًا.. نعم، هناك مهام جانبية جميلة ومشحونة تضيف شيئًا إلى خلفية العالم، لكن كثرتها، وتشابه نمطها، جعل بعضها يفقد تأثيره، ويتحول من إضافة إلى عبء يضعف الحماس بدل أن يغذّيه
الأمر ذاته ينسحب على أنشطة العالم.. اللعبة مقسمة إلى عدة خرائط، ومع التقدم تنتقل عبر أزمنة وأماكن مختلفة، لكن المفاجأة أن الأنشطة لا تتغير.. مطاردة القطط، جمع الكوداما، تطهير مناطق الجحيم… نفس الدائرة تتكرر مهما تغيّر الزمن أو المكان.. اللعبة لا تُظهر الشجاعة الكافية لتقديم شيء جديد، ومع الوقت تبدأ بالتنبؤ بما ينتظرك، ويخفت الحماس مع كل منطقة جديدة لأنك تعرف مسبقًا ما ستفعله فيها
حتى تصميم المراحل يعاني من المشكلة نفسها.. في البداية تتعامل مع لعبة جديدة وتحاول استيعابها، لكن لاحقًا يتضح النمط: نقطة حفظ، ثم اختصار عبر باب أو سلم، ثم إعادة تدوير الفكرة نفسها في بيئة مختلفة.. البيئات تتغير شكليًا، لكن الهيكل واحد، واللعبة لا تغامر في كسر هذا القالب أو تقديم مفاجآت حقيقية كما فعلت سابقًا.

عدد اليوكاي بدوره يبدأ بالتكرار.. ومع الوقت، إن لم يتكرر العدو نفسه، يتم الاكتفاء بتغيير لونه مع تغيير بسيط على ميكانيكياته.. أما الزعماء، فرغم أنهم ليسوا سيئين، إلا أنه لا يوجد زعيم واحد يمكن القول إنه يترك أثرًا حقيقيًا في الذاكرة بعد الانتهاء من اللعبة
باختصار شديد: هذا العمل لا يعاني من نقصٍ في الأفكار بقدر ما يعاني من الخوف من الذهاب بها إلى نهاياتها..
تعدد اليوكاي حاضر شكليًا، لكنه محكوم بسقف منخفض، وكأن العالم يخشى أن يسمح للفوضى بأن تتحول إلى معنى..
تصميم العالم لا يفشل لأنه سيئ، بل لأنه مستأنس أكثر من اللازم.. مألوف، آمن، لا يجرؤ على استفزاز اللاعب أو دفعه لإعادة التفكير في المكان الذي يسير فيه
الأنشطة لا تموت فجأة، بل تبهت ببطء.. تتكرر حتى تفقد وزنها الرمزي، وتتحول من تجربة إلى عادة، ومن دهشة إلى واجب..
المهام الجانبية ليست سيئة في أصلها، لكن الكثير منها يتحول إلى تجارب باهتة.. أفكار تبدأ بوعد خافت، ثم تُستنزف في التنفيذ، فتفقد حدّتها ومعناها، وتُختزل في أداء آلي لا يترك أثرًا ولا يطرح سؤالًا.

أما الزعماء، فهم يمرّون كما تمر الأحلام الخفيفة:
يُهزمون، ثم يُنسَون، لأنهم لم يُمنحوا ما يكفي ليكونوا أكثر من مجرد عقبة… ولم يُسمح لهم أن يكونوا معنى
وبغضّ النظر عن كل ما سبق، تبقى طريقة اللعب والقتال وبناء الشخصية القلب النابض للتجربة، والسبب الحقيقي الذي يجعل من السهل التغاضي عن كثير من العيوب والاستمرار حتى النهاية.. هناك شيء إدماني في الإيقاع نفسه.. في الإحساس بأن كل مواجهة هي اختبار مباشر لما بنيته، وكل خطأ أو نجاح هو انعكاس لاختياراتك لا لرحمة النظام
تفاعل العالم والأعداء مع مهاراتك وسحرك يمنح شعورًا حقيقيًا بالاستثمار.. ما تضعه في بناء شخصيتك لا يبقى رقمًا في القوائم، بل يتحول إلى أثر ملموس على أرض المعركة.. الضربات أقسى، السيطرة أوضح، والمسافات محسوبة، وكأن اللعبة تكافئك على الفهم لا على الصبر فقط. هذا النوع من الرضا نادر، لأنه لا يعتمد على الإبهار، بل على الإتقان
ومن هذه الزاوية، تصبح اللعبة واحدة من أفضل ألعاب الأكشن من حيث القتال والميكانيك.. أنت لا تلعب لساعات دون مقابل؛ بل ترى شخصيتك تتشكل وتتطور مع كل ساعة لعب، ومع كل تعديل صغير في البناء أو المهارات.. طريقة بنائي، المعتمدة على الأوداتشي والرمح مع دمج السحر، صنعت أسلوب لعب واضح المعالم، ثقيل لكنه محسوب، عدواني دون تهور
تركيزي الأكبر كان على أسلوب الساموراي، مع استخدام محدود جدًا للنينجا، ومع ذلك تظل حرية التبديل بينهما في أي وقت عنصرًا ذكيًا، يمنحك مساحة للتجريب دون أن يفرض عليك هوية واحدة.. اللعبة لا تسجنك داخل خيارك، لكنها تجعلك تشعر بثقله وأثره
الأمتع في كل هذا هو رؤية نتائج اختياراتك وهي تعمل أمامك، لا كفكرة نظرية بل كتجربة محسوسة.. حين تنتصر، تشعر أن النصر لك، لا للنظام.. ولهذا السبب تحديدًا، وبلا منازع، يُعد بناء الشخصية والقتال من أبرز نقاط القوة في اللعبة، وربما أكثرها صدقًا مع هوية Team Ninja منذ البداية.



ملخص المراجعة
التقييم النهائي - 7
7
تتألق لعبة Nioh 3 بما تجيده فعلًا: القتال وبناء الشخصية بالاضافة الى إدمانية طريقة اللعبة وكونها مجزية ميكانيكيًا، لكنها تُثقل بتكرار الأنشطة طوال اللعبة، وتصميم مراحل مألوف غير مبتكر، وفرص اخرى لم تُستثمر كما يجب رغم ذلك الا أنها لعبة ممتعة في جوهرها، متحفظة في طموحها وبشكل مختصر المزيد من Nioh واستوديو Team Ninja






